في ذكرى منارة للإذاعة والتلفزيون ، لا أحكي قصة فقط، بل أستعيد تجربة كأنها كانت قدري، رحلة بدأت كحكاية وانتهت بمعنى كبير في حياتي
في عام 2022، حين كانت «منارة» فكرةً تمشي على استحياء، لمحتُها أول مرةٍ على هيئة سيارةٍ تعبر الطريق بين لاماجي وقجي، كأنها ومضةٌ عابرة في ليلٍ طويل
اسمٌ يلوح ولا يُفصح، يظهر ولا يُعرَف؛ فسألتُ وسعيتُ، ونقّبتُ وبحثتُ، فلم أجد إلا صمتًا يجيبني، وسؤالًا يعاودني. تركتُ الأمر، ظننتُه سرابًا، لكن السراب عاد ماءً، واللمحة صارت علامةً، والسيارات التي كانت تمرّ بي صرتُ أمرّ بها ، حتى انتهى بي المسير إلى بابٍ لم أطرقه، بل طرقني
وقفتُ على عتبة «منارة»، فدهشتُ دهشةَ من وجد ما كان يبحث عنه دون أن يدري أنه يبحث. هناك، لم أجد مؤسسةً فحسب، بل وجدتُ بيتًا يؤويني، وفكرةً تُؤمّن بي، ويدًا تُشدّ أزري
ومن هناك بدأت رحلة الألف ميل، لا بخطوةٍ فقط، بل بنيّةٍ تُضيء الطريق قبل أن تطأه الأقدام
في الخامس عشر من أبريل 2024، وُلدت الحكاية على أرض الواقع، وبدأت القافلة تسير؛ وجوهٌ آمنت ثم غابت، لكنها ما غابت عن الأثر، وأرواحٌ ما زالت تشقّ الدرب بعزمٍ لا يلين. أما أنا، فكنتُ ممن اصطفاهم القدر ليكونوا من شُقّاق الطريق لا من سالكيه؛ نفتح المسالك قبل أن تُعبَّد، ونغرس الأثر قبل أن يُحصَد
ما بين الانطلاقة والشمعة، لم يكن الطريق مفروشًا بالضوء، بل كان الضوء مفروشًا بنا؛ نحترق لننير، ونتعب لنُبهِر، ونسهر لنُثمِر. سجعُ الجهد كان عنواننا: عملٌ يتلوه عمل، وأملٌ يرفعه أمل، حتى صار التعبُ طاقة، والسهرُ حكاية، والإنجازُ بداية. فلم تذهب تلك الجهود سُدى، بل أثمرت في عامٍ ما يعجز عنه أعوام؛ كأن «منارة» لم تمشِ ، بل قفزت، ولم تصعد ، بل حلّقت، حتى صار اسمها على كل لسان، كأنها ليست اسمًا بل عنوانًا، وليست قناةً بل قِبلةً للبيان
أتعلمون سرّ الاختلاف؟ لسنا الأفضل فنستعلي، ولا الأكثر فنستكفي؛ بل لأننا نؤمن والإيمان إذا سكن العمل أبدع، وإذا خالط الحلم أشرق. شعارنا ليس كلماتٍ تُقال، بل حياةٌ تُعاش: الإبداع والابتكار؛ نبتكر لنُبدِع، ونُبدِع لنُلبّي، ونلبّي لنكون كما نقول: «منارة… هي أنتم». هنا توريةٌ تُشبه الحقيقة: نحن نُنير لكم، وبكم ننير
واليوم، تُطفئ «منارة» شمعتها الثانية ، لكنها في الحقيقة تُشعل ألف شمعة؛ فالإطفاءُ فيها إضاءة، والنهايةُ بداية، والذكرى ميلادٌ جديد. وأنا على يقينٍ أن المسير مستمر، وأن الضوء ما دام في القلوب وقود لن ينطفئ
تبقى بيني وبين «منارة» حكايةٌ أغرب من الحكايات: وُلدتُ في الخامس عشر من أبريل، ووُلدت هي في اليوم ذاته؛ كأن التاريخ لم يجمعنا صدفةً، بل رتّب لقاءنا سِرًّا. أهي مصادفة؟ أم مصافحةُ قدرٍ بيدِ قدر؟
كل عامٍ و«منارة» بألف خير ، وذلك يعني على سبيل التورية أنني أنا أيضًا بخير؛ فإذا أشرقتْ، أشرقتُ، وإذا أضاءتْ، أضاء في قلبي ألفُ نور
أدم حسن موسى المكاوي