Skip to main content

لم تعد دولة الإمارات العربية المتحدة مجرد دولة نفطية كما كانت تعرف لعقود، بل أصبحت اليوم واحدة من أبرز النماذج الاقتصادية الناجحة في الشرق الأوسط، بفضل رؤية استراتيجية جعلت من التنويع الاقتصادي والابتكار ركيزتين أساسيتين لمسيرة التنمية. وخلف ناطحات السحاب الشاهقة في أبوظبي ودبي، تتجسد تجربة اقتصادية متكاملة تستقطب أنظار العديد من الدول النامية، وفي مقدمتها تشاد، التي تتطلع إلى الاستفادة من هذا النموذج الطموح

ويعكس الأداء الاقتصادي للإمارات حجم هذا النجاح؛ إذ يتجاوز ناتجها المحلي الإجمالي 540 مليار دولار، مع معدل نمو اقتصادي يقارب 4 في المائة. ورغم استمرار النفط مصدراً مهماً للدخل الوطني، فإن الدولة نجحت في تقليص اعتمادها عليه عبر توجيه استثمارات ضخمة إلى البنية التحتية، والنقل، والسياحة، والخدمات المالية، والتجارة الدولية، والصناعات الحديثة، والطاقات المتجددة، والتكنولوجيا المتقدمة

ويستند هذا النجاح إلى تكامل الأدوار بين إمارات الدولة. فأبوظبي تقود قطاعات الطاقة والتمويل والصناديق السيادية، بينما تحولت دبي إلى مركز عالمي للتجارة والخدمات اللوجستية والطيران والسياحة. أما الشارقة، فتميزت بالصناعة والتعليم والثقافة، في حين برزت رأس الخيمة في الصناعات التحويلية ومواد البناء والسياحة، ولعبت الفجيرة دوراً استراتيجياً في النقل البحري وتخزين النفط بفضل موقعها المطل على المحيط الهندي. كما تواصل عجمان وأم القيوين ودبا تطوير المناطق الحرة والموانئ والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، بما يعزز مساهمتها في الاقتصاد الوطني

وفي مواجهة التحولات الاقتصادية العالمية، واصلت الإمارات الاستثمار في المستقبل، واضعة الذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الرقمي، والتحول في مجال الطاقة، وتحسين مناخ الأعمال في صدارة أولوياتها، وهو ما مكنها من الحفاظ على تنافسيتها وتعزيز مكانتها الاقتصادية على الصعيد الدولي

هذه التجربة الاقتصادية المتقدمة تفتح اليوم آفاقاً جديدة أمام تشاد، التي تمتلك بدورها مقومات استثمارية واعدة تشمل الأراضي الزراعية الشاسعة، والثروة الحيوانية، والموارد المعدنية، والنفط، والصمغ العربي، والسمسم، والقطن، إضافة إلى إمكانات كبيرة في مجال الطاقات المتجددة. وهي مؤهلات تجعل البلاد وجهة محتملة للمستثمرين الإماراتيين الباحثين عن فرص استثمارية جديدة في القارة الأفريقية

وفي المقابل، فهل تستطيع تشاد أن تستلهم الدروس والعبر من التجارب والخبرات التي تمتلكها الإمارات، لينفرد كل إقليم بقطاع خاص به كما فعلت الإمارات؟ وللوصول إلى ذلك الحلم، تستطيع الإمارات أن تقدم لتشاد ما تحتاجه لتحقيق نهضتها الاقتصادية، من خلال استغلال تشاد لجميع مواردها الطبيعية، مع الاستثمار في الموارد البشرية، وتوفير رؤوس الأموال من قبل الإمارات، ونقل تجاربها التكنولوجية، وتمويل مشاريع البنية التحتية الحديثة، وتبادل الخبرات في مجالات النقل والخدمات اللوجستية، فضلاً عن تسهيل ولوج المنتجات التشادية إلى الأسواق الإقليمية والدولية

ويأتي تنظيم الطاولة المستديرة لدعم الخطة الوطنية للتنمية في تشاد، المعروفة اختصاراً بـ«كونيكسيون 2030»، في أبوظبي، ليجسد هذا التوجه الجديد، بعد جهود مكثفة في الترويج واستقطاب الشركاء والمستثمرين. وينتظر أن يشكل ما خرج به هذا المنتدى منصة حقيقية لتعزيز التعاون الاقتصادي، وتحويل مذكرات التفاهم إلى مشاريع استثمارية ملموسة تخلق فرص العمل، وترفع القيمة المضافة، وتدعم النمو الاقتصادي المستدام في تشاد

ويبقى الرهان الأكبر في المرحلة المقبلة هو الانتقال من مرحلة التوقيع على الاتفاقيات إلى مرحلة التنفيذ الفعلي للمشروعات. فالإمكانات التي تزخر بها تشاد، إلى جانب الخبرة والقدرات الاستثمارية التي تمتلكها الإمارات، تشكل قاعدة صلبة لبناء شراكة استراتيجية قادرة على تحقيق نتائج ملموسة، تعود بالنفع على البلدين، وترسم ملامح تعاون اقتصادي طويل الأمد يقوم على المصالح المشتركة والتنمية المستدامة

محمد مؤمن جبريل

Leave a Reply