Skip to main content

هناك لحظات في تاريخ الأمم يتعين فيها النظر إلى ما هو أبعد من الخلافات والجراح والتباينات ويتعين النظر إلى الحقائق ففي 8 أغسطس 2022، وقّعت الأطراف المشاركة في الحوار اتفاقًا في العاصمة القطرية الدوحة، بعد أشهر من المفاوضات ضمن الحوار التمهيدي، بين الحكومة التشادية والحركات السياسية-العسكرية والمعارضين السياسيين في المنفى. وقد شكّل هذا الاتفاق خطوة مهمة في مسار تطور التاريخ الحديث لتشاد

ومن أبرز تداعيات هذا الاتفاق أنه أتاح وقف الأعمال العدائية. وبعد أكثر من أربع سنوات، لم تُسجَّل، في مختلف أنحاء الأراضي التشادية، أي اشتباكات تُنسب إلى أحد الأطراف الموقعة على الاتفاق

أما المعطى الثاني اللافت، فيتمثل في أن جميع الأشخاص الذين عادوا إلى البلاد لم يُسجّلوا أي تهديدات رسمية موجهة ضدهم. وهو ما يعكس، في جانب منه، التزام الحكومة بتعهداتها وعدم إخلالها بما تم الاتفاق عليه

وفي المقابل، لم يُعلن، حتى اليوم، أيٌّ من أبرز الموقعين على اتفاق الدوحة، سواء من الحركات السياسية-العسكرية أو من المعارضين السياسيين الذين عادوا إلى البلاد استجابةً لليد الممدودة من رئيس الجمهورية المشير محمد إدريس ديبي إتنو، رسميًا عن التخلي عن التزاماته أو التنصل منه

فالرهانات التي عُلّقت على هذا الاتفاق لم تكن تحتمل أي التباس: جعل الحوار بديلًا عن المواجهة، وتشجيع عودة من كانوا بعيدين عن الوطن، وتهيئة الظروف لمشاركة الجميع في بناء الدولة والوطن

واليوم، لا تتجلى الترجمة الحقيقية لهذا النهج في الخطابات بقدر ما تتجلى في الوقائع. فقد اندمج بعض الفاعلين من المعسكر السابق وأصبحوا مشاركين في إدارة الشأن العام ,فهم موجودون في الحكومة وفي مجلس الشيوخ، وفي الجمعية الوطنية، وفي الإدارة الإقليمية، وكذلك في هياكل القيادة

كما تمت ترقية آخرين إلى رتب عليا داخل قوات الدفاع والأمن، وصولًا إلى رتبة جنرال في الجيش والشرطة الوطنية

وبعبارة أخرى، فإن رجالًا كانوا، إلى وقت قريب، بعيدين عن النظام المؤسساتي للبلاد، أصبحوا اليوم فاعلين في الجمهورية بكامل الصلاحيات والمسؤوليات

وهنا تحديدًا تتجلى أهمية اليد الممدودة من رئيس الجمهورية. وبطبيعة الحال، فإن اليد الممدودة لا تكتسب قيمتها إلا عندما تجد من يقبلها. وهنا تكمن أيضًا عظمة هؤلاء المواطنين الذين اختاروا العودة إلى وطنهم الأم دون شروط

وإن اتفاق السلام لا يمحو، بين عشية وضحاها، مشاعر الاستياء والإحباط والخلافات التي غذّت سنوات من الأزمات

ومن هنا يكمن التحدي المشترك أمام صانعي هذا السلام الذي حظي بإشادة واسعة

فالسلام لا يُفرض بقرار، بل يُبنى. وهو يتطلب الصبر والثقة، وقبل كل شيء، إرادة عدم العودة إلى العنف كلما ظهرت خلافات أو تباينات

إنه مسار متواصل، ولا شك أن جميع الملفات لم تُحسم بعد. وقد يبدو إيقاع التنفيذ بطيئًا في نظر البعض، لكن المطلوب هو الحفاظ على المسار ومواصلة التقدم

فأي تراجع في هذه المرحلة قد يؤدي إلى انهيار هذا البناء، وقد ينتهي اتفاق الدوحة الجميل إلى المصير نفسه الذي آلت إليه اتفاقات سابقة فشلت في تحقيق أهدافها

وفي هذا السياق، يحظى ملف نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج بمتابعة واهتمام كبيرين، بل وبشيء من التخوف لدى البعض, وكثيرًا ما يبدو الحمل أثقل عندما يقترب المرء من خط النهاية

وعلى مختلف الأطراف أن تواصل التقدم، وأن تمضي قدمًا دون توقف، لأن الهدف ليس مستحيلًا، وطريق السلام، مهما بدا شاقًا، يظل قابلًا للتحقيق

النضيف عبدالكريم ساكن

Leave a Reply